العيني

258

عمدة القاري

إسماعيل بين ولدانهم ، أي ولدان جرهم . قوله : ( وتعلم العربية منهم ) أي : من جرهم ، وقال بعضهم : وفيه تضعيف لقول من روى : أنه أول من تكلم بالعربية ، وقع ذلك عند الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ : ( أول من نطق بالعربية إسماعيل ) . قلت : ليس فيه تضعيف ذلك لأن المعنى : أول من تكلم بالعربية من أولاد إبراهيم إسماعيل ، عليهما الصلاة والسلام ، لأن إبراهيم وأهله كلهم لم يكونوا يتكلمون بالعربية فالأولية أمر نسبي ، فبالنسبة إليهم هو أول من تكلم بالعربية لا بالنسبة إلى جرهم . قوله : ( وأنفسهم ) ، قال الكرماني : أنفسهم ، بلفظ الماضي أي : رغبهم فيه وفي مصاهرته ، يقال : أنفسني فلان في كذا ، أي : رغبني فيه ( وأعجبهم ) أي : أعجبهم في نفاسته ، وقال بعضهم : أنفسهم ، بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل : من النفاسة أي : كثرت رغبتهم فيه انتهى . قلت : قوله : أفعل التفضيل ، غلط وما هو إلاَّ فعل ماضٍ من الإنفاس ، والفاعل فيه : إسماعيل ، وهو عطف على : تعلم . وقال ابن الأثير في ( النهاية ) : وحديث إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، أنه تعلم العربية وأنفسهم أي : رغبهم وأعجبهم وصار عندهم نفيساً ، يقال : أنفسني في كذا : أي : رغبني فيه . قوله : ( زوجوه امرأة منهم ) ، قال السهيلي : اسمها جداء بنت سعد . وعن ابن إسحاق : أن اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة ، وفي حديث أبي جهم : أنها بنت صدي ، ولم يسمها ، وقال عمر بن شبة : اسمها حية بنت أسعد بن عملق ، وعن ابن إسحاق : أن إسماعيل خطبها إلى أبيها فزوجها منه . قوله : ( وماتت أم إسماعيل ) يعني : في خلال ذلك ، وفي رواية عطاء بن السائب : فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر ، عليها السلام ، وكان عمرها تسعين سنة ، فدفنها إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، في الحجر . قوله : ( يطالع تركته ) ، بكسر الراء أي : يتفقد حال ما تركه هناك ، والتركة ، بكسر الراء وسكونها : بمعنى المتروكة ، والمراد بها أهله ، والمطالعة النظر في الأمور ، وقال ابن التين : هذا يشعر بأن الذبيح إسحاق ، لأن المأمور بذبحه كان عندما بلغ السعي ، وقد قال في هذا الحديث : إن إبراهيم تركه رضيعاً وعاد إليه وهو متزوج ، فلو كان هو المأمور بذبحه لذكر في الحديث أنه عاد إليه في خلال ذلك بين زمان الرضاع والتزويج ، وأجاب الكرماني : بأنه ليس فيه نفي مجيئه مرة أخرى قبل موتها وتزوجه . قلت : بل ليس فيه نفي المجيء أصلاً ، بل فيه المجيء مرات ، فإنه جاء فيخبر أبي جهم : كان إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، يزور هاجر كل شهر على البراق ، يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام . قوله : ( خرج يبتغي لنا ) ، أي : يطلب لنا الرزق ، وفي رواية ابن جريج : وكان عيش إسماعيل الصيد ، يخرج فيتصيد ، وفي حديث أبي جهم : ولكن إسماعيل يرعى ماشية ويخرج متنكباً قوسه فيرمي الصيد . قوله : ( ثم سألها عن عيشهم ) ، وزاد في رواية عطاء بن السائب ، وقال : هل عندك من ضيافة ؟ قوله : ( فقالت : نحن في ضيق وشدة ) ، وفي حديث أبي جهم : فقال لها : هل من منزل ؟ فقالت : لاها الله إذاً . قال : فكيف عيشكم ؟ قال : فذكرت جهداً ، فقالت : أما الطعام فلا طعام ، وأما الشاء فلا نحلب إلاَّ المصر ، أي : الشخب ، وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ . الشخب : بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين وبباء موحدة : السيلان . قوله : ( يغير عتبة بابه ) ، العتبة بفتح العين المهملة من فوق والباء الموحدة : وهي أسكفة الباب ، وهي ههنا كناية عن المرأة . قوله : ( جاءنا شيخ كذا وكذا ) ، وفي رواية عطاء بن السائب : كالمستخف بشأنه . قوله : ( فسألنا عنك ) ، بفتح اللام . قوله : ( ذاك أبي ) أي : ذاك الذي هو أبي إبراهيم . قوله : ( وتزوج منهم أخرى ) ، أي : تزوج من جرهم امرأة أخرى ، ذكر الواقدي : أن اسمها سامة بنت مهلهل ، وقيل : اسمها عاتكة ، وقيل : بشامة ، بفتح الباء الموحدة وبشين معجمة خفيفة : بنت مهلهل بن سعد بن عوف ، وقيل : اسمها نجدة بنت الحارث بن مضاض ، وحكى ابن سعد عن ابن إسحاق : أن اسمها رعلة بنت يشجب بن يعرب بن يوذان بن جرهم ، وذكر الدارقطني : أن اسمها سيدة بنت مضاض ، وقال الجواني : اسمها هالة بنت الحارث بن مضاض ، ويقال : سلمى ، ويقال : الحنفاء . قوله : ( نحن بخير وسعة ) ، وفي حديث أبي جهم : نحن في خير عيش بحمد الله ، ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب . قوله : ( اللهم بارك لهم في اللحم والماء ) . وفي رواية إبراهيم بن نافع : اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم . قوله : ( فهما لا يخلوان عليهما ) أي : فاللحم والماء لا يعتمد عليهما أحد بغير مكة إلاَّ لم يوافقاه ، والغرض : أن المداومة على اللحم والماء لا يوافق الأمزجة وينحرف المزاج عنهما إلاَّ في مكة فإنهما يوافقانه ، وهذا من جملة بركاتها وأثر دعاء إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، وفي رواية الكشميهني : لا يخلوان ، بصيغة التثنية ، يقال : خلوت بالشيء وأختليت : إذا لم تخلط به غيره ، ويقال : أخلى الرجل